الشيخ ناصر مكارم الشيرازي

205

الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل

ذلك . الرابع : العذاب والعقاب التدريجي . والمسلم به أن نوع العذاب يتناسب ونوع الذنب المقترف ، وإن وردت جميعها بخصوص الذين مكروا السيئات لعلمنا أن أفعال الله لا تكون إلا بحكمة وعدل . وهنا . . لم نجد رأيا للمفسرين - في حدود بحثنا - حول هذا الموضوع ، ولكن يبدو أن النوع الأول من العقاب يختص بأولئك المتآمرين الذين هم في صف الجبارين والمستكبرين كقارون الذي خسف الله تعالى به الأرض وجعله عبرة للناس ، مع ما كان يتمتع به من قدرة وثروة . أما النوع الثاني فيخص المتآمرين الغارقين بملذات معاشهم وأهوائهم ، فيأتيهم العذاب الإلهي بغتة وهم لا يشعرون . والنوع الثالث يخص عبدة الدنيا المشغولين في دنياهم ليل نهار ليضيفوا ثروة إلى ثروتهم مهما كانت الوسيلة ، حتى وإن كانت بارتكاب الجرائم والجنايات وصولا لما يطمحون له ! فيعذبهم الله تعالى وهم على تلك الحالة ( 1 ) . وأما النوع الرابع من العذاب فيخص الذين لم يصلوا في طغيانهم ومكرهم وذنوبهم إلى حيث اللا رجعة ، فيعذبهم الله بالتخويف . أي يحذرهم بإنزال العذاب الأليم في أطرافهم فإن استيقظوا فهو المطلوب ، وإلا فسينزل العذاب عليهم ويهلكهم . وعلى هذا ، فإن ذكر الرأفة والرحمة الإلهية ترتبط بالنوع الرابع من الذين مكروا السيئات ، الذين لم يقطعوا كل علائقهم مع الله ولم يخربوا جميع جسور العودة . * * *

--> 1 - مع أن " التقلب " لغة ، بمعنى التردد والذهاب والمجئ ، مطلقا ولكن في هكذا موارد - كما قال أكثر المفسرين وتأييد الروايات لذلك - بمعنى التردد في طريق التجارة وكسب المال - فتأمل .